(منتدى بشار)
سجلاتنا تشير إلا انك زائر
مرحبا بكم في منتدى بشار و يسعدنا التسجيل في المنتدى والمساهمة في المواضيع لإشهار
المنتدى


منتدى بشار يرحب بكم (لا اله الى الله)
 
الرئيسيةالبوابةاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول
مرحبا بكم في منتدى بشار
للأستفسار الرجاء المراسلة على البريد الكتروني ( bshare_yoo7@hotmail.com )
www.bhsare.yoo7.com

شاطر | 
 

  كتاب شرح الأربعين نووية

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
المدير العام
Admin
avatar

عدد المساهمات : 55
تاريخ التسجيل : 10/03/2011
الموقع : http://bhsare.yoo7.com

مُساهمةموضوع: كتاب شرح الأربعين نووية   الخميس مارس 10, 2011 7:15 pm

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين قيوم السموات والأرضين مدبر الخلائق أجمعين باعث الرسل صلواته وسلامه عليهم إلى المكلفين لهدايتهم وبيان شرائع الدين بالدلائل القطعية وواضحات البراهين أحمده على جميع نعمه وأسأله المزيد من فضله وكرمه
وأشهد أن لا إله إلا الله الواحد القهار الكريم الغفار
وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله وحبيبه وخليله : أفضل المخلوقين المكرم بالقرآن العزيز المعجزة المستمرة على تعاقب السنين وبالسنن المستنيرة للمسترشدين المخصوص بجوامع الكلم وسماحة الدين صلوات الله وسلامه عليه وعلى سائر النبيين والمرسلين وآل كل وسائر الصالحين
أما بعد : فقد روينا عن علي بن أبي طالب وعبدالله بن مسعود ومعاذ بن جبل وأبي الدرداء وابن عمر وابن عباس وأنس بن مالك وأبي هريرة وأبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنهم من طرق كثيرات بروايات متنوعات : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : [ من حفظ على أمتي أربعين حديثا من أمر دينها بعثه الله يوم القيامة في زمرة الفقهاء والعلماء ] وفي رواية : [ بعثه الله فقيها عالما ] وفي رواية أبي الدرداء : [ وكنت له يوم القيامة شافعا وشهيدا ] وفي رواية ابن مسعود : [ قيل له ادخل من أي أبوب الجنة شئت ] وفي رواية ابن عمر [ كتب في زمرة العلماء وحشر في زمرة الشهداء ] واتفق الحفاظ على أنه حديث ضعيف وإن كثرت طرقه
وقد صنف العلماء رضي الله تعالى عنهم في هذا الباب مالا يحصى من المصنفات فأول من علمته صنف فيه : عبدالله ابن المبارك ثم محمد بن أسلم الطوسي العالم الرباني ثم الحسن بن سفيان النسائي وأبو بكر الآجري وأبو بكر بن إبراهيم الأصفهاني والدارقطني والحاكم وأبو نعيم وأبو عبدالرحمن السلمى وأبو سعيد الماليى وأبو عثمان الصابوني وعبدالله بن محمد الأنصاري وأبو بكر البيهقي وخلائق لا يحصون من المتقدمين والمتأخرين
وقد استخرت الله تعالى في جمع أربعين حديثا اقتداء بهؤلاء الأئمة الأعلام وحفاظ الإسلام وقد اتفق العلماء على جواز العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال ومع هذا فليس اعتمادي على هذا الحديث بل على قوله صلى الله عليه وآله وسلم في الأحاديث الصحيحة [ ليبلغ الشاهد منكم الغائب ] وقوله صلى الله عليه وآله وسلم [ نضر الله امرءا سمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمعها ] ثم من العلماء من جمع الأربعين في أصول الدين وبعضهم في الفروع وبعضهم في الجهاد وبعضهم في الزهد وبعضهم في الآداب وبعضهم في الخطب وكلها مقاصة صالحة رضي الله تعالى عن قاصديها قد رأيت جمع أربعين أهم من هذا كله وهي أربعون حديثا مشتملة على جميع ذلك وكل حديث منها قاعدة عظيمة من قواعد الدين قد وصفه العلماء بأن مدار الإسلام عليه أو هو نصف الإسلام أو ثلثه أو نحو ذلك ثم ألتزم في هذه الأربعين أن تكون صحيحة ومعظمها في صحيحي البخاري ومسلم وأذكرها محذوفة الأسانيد ليسهل حفظها ويعم الإنتفاع بها إن شاء الله تعالى ثم أتبعها بباب في ضبط خفي ألفاظها
وينبغي لكل راغب في الآخرة أن يعرف في هذه الأحاديث لما اشتملت عليه من المهمات واحتوت عليه من التنبيه على جميع الطاعات وذلك ظاهر لمن تدبره وعلى الله اعتمادي وإليه تفويضي واستنادي وله الحمد والنعمة وبه التوفيق والعصمة

الحديث الأول
[ عن أمير المؤمنين أبي حفص عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يقول : إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه ]
رواه إماما المحدثين : أبو عبدالله محمد ابن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بردزبه البخاري وأبو الحسين مسلم ابن الحجاج بن مسلم القشيري النيسابوري : في صحيحيهما اللذين هما أصح الكتب المصنفة
هذا حديث صحيح متفق على صحته وعظيم موقعه و جلالته وكثرة فوائده رواه الإمام أبو عبدالله البخاري في غير موضع من كتابه ورواه أبو الحسين مسلم بن الحجاج في آخر كتاب الجهاد
وهو أحد الأحاديث التي عليها مدار الإسلام وقال الإمام أحمد والشافعي رحمهما الله : يدخل في حديث الأعمال بالنيات ثلث العلم قاله البيهقي وغيره وسبب ذلك أن كسب العبد يكون بقلبه ولسانه وجوارحه والنية أحد الأقسام الثلاثة وروى عن الشافعي رضي الله تعالى عنه أن قال : يدخل هذا الحديث في سبعين بابا من الفقه وقال جماعة من العلماء : هذا الحديث ثلث الإسلام
واستحب العلماء أن تستفتح المصنفات بهذا الحديث وممن ابتدأ به في أول كتابه : الإمام أبو عبدالله البخاري وقال عبد الرحمن ابن مهدي : ينبغي لكل من صنف كتابا أن يبتدئ فيه بهذا الحديث تنبيها للطالب على تصحيح النية
وهذا حديث مشهور بالنسبة إلى آخره غريب بالنسبة إلى أوله لأنه لم يروه عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا عمر بن الخطاب رضي الله عنه ولم يروه عن عمر إلا علقمة بن أبي وقاص ولم يروه عن علقمة إلا محمد بن إبراهيم التيمي ولم يروه عن محمد بن إبراهيم إلا يحيى بن سعيد الأنصاري ثم اشتهر بعد ذلك فرواه عنه أكثر من مائتي إنسان أكثرهم أئمة
ولفظة ( إنما ) للحصر : تثبت المذكور وتنفي ما عداه وهي تارة تقتضي الحصر المطلق وتارة تقتضي حصرا مخصوصا ويفهم ذلك بالقرائن كقوله تعالى { إنما أنت منذر } فظاهره الحصر في النذارة والرسول لا ينحصر في ذلك بل له أوصاف كثيرة جميلة : كالبشارة وغيرها وكذلك قوله تعالى { إنما الحياة الدنيا لعب ولهو } فظاهره والله أعلم - الحصر باعتبار من آثرها وأما بالنسبة إلى ما في نفس الأمر فقد تكون سببا إلى الخيرات ويكون ذلك من باب التغليب فإذا وردت هذه اللفظة فاعتبرها فإن دل السياق والمقصود من الكلام الحصر في شئ مخصوص : فقل به وإلا فاحمل الحصر على الإطلاق ومن هذا قوله صلى الله عليه وسلم [ إنما الأعمال بالنيات ] والمراد بالأعمال : الأعمال الشرعية
ومعناه : لا يعتد بالأعمال بدون النية مثل الوضوء والغسل والتيمم وكذلك الصلاة والزكاة والصوم والحج والإعتكاف وسائر العبادات فأما إزالة النجاسة فلا تحتاج إلى نية لأنها من باب الترك والترك لا يحتاج إلى نية وذهب جماعة إلى صحة الوضوء والغسل بغير نية وفي قوله صلى الله عليه وسلم [ إنما الأعمال بالنيات ] محذوف واختلف العلماء في تقديره : فالذين اشترطوا النية قدروا : صحة الأعمال بالنيات والذين لم يشترطوها قدروا : كمال الأعمال بالنيات
وقوله [ وإنما لكل امرئ ما نوى ] قال الخطابي يفيد معنى خاصا غير الأول وهو تعيين العمل بالنية وقال الشيخ محي الدين النووي فائدة ذكره : أن تعيين المنوى شرط فلو كان على إنسان صلاة مقضية لا يكفيه أن ينوي الصلاة الفائتة بل يشترط أن ينوي كونها ظهرا أو عصرا أو غيرهما ولو لا اللفظ الثاني لاقتضى الأول صحة النية بلا تعيين أو أهم ذلك والله أعلم
وقوله [ فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ] المتقرر عند أهل العربية : أن الشرط والجزاء والمبتدأ والخبر لا بد أن يتغايرا وههنا قد وقع الإتحاد وجوابه [ فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله ] نية وقصدا [ فهجرته إلى الله ورسوله ] حكما وشرعا وهذا الحديث ورد على سبب لأنهم نقلوا : أن رجلا هاجر من مكة إلى المدينة ليتزوج امرأة يقال لها [ أم قيس ] لا يريد بذلك فضيلة الهجرة فكان يقال له [ مهاجر أم قيس ] والله أعلم

الحديث الثاني
[ عن عمر رضي الله تعالى عنه أيضا قال : بينما نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذات يوم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر لا يرى عليه أثر السفر ولا يعرفه منا أحد حتى جلس إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأسند ركبتيه إلى ركبتيه ووضع كفيه على فخذيه وقال : يا محمد أخبرني عن الإسلام فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا قال : صدقت فعجبنا له يسأله ويصدقه قال : فأخبرني عن الإيمان قال أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره قال : صدقت قال : فأخبرني عن الإحسان قال أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك قال : فأخبرني عن الساعة قال ما المسئول عنها بأعلم من السائل قال : فأخبرني عن أماراتها قال أن تلد الأمة ربتها وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان ثم انطلق فلبثت مليا ثم قال يا عمر أتدري من السائل ؟ قلت : الله ورسوله أعلم قال فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم ] رواه مسلم
هذا حديث عظيم قد اشتمل على جميع وظائف الأعمال الظاهرة والباطنة وعلوم الشريعة كلها راجعة إليه ومتشعبة منه لما تضمنه من جمعه علم السنة فهو كالأم للسنة كما سميت الفاتحة : أم القرآن لما تضمنته من جمعها معاني القرآن وفيه دليل على تحسين الثياب والهيئة والنظافة عند الدخول على العلماء والفضلاء والملوك فإن جبريل أتى معلما للناسب بحاله ومقاله
وقوله [ لا يرى عليه أثر السفر ] المشهور ضم الياء من [ يرى ] مبنيا لما لم يسم فاعله ورواه بعضهم بالنون المفتوحة وكلاهما صحيح
وقوله [ ووضع كفيه على فخذيه وقال : يا محمد ] هكذا هو المشهور الصحيح ورواه النسائي بمعناه وقال [ فوضع يده على ركبتي النبي صلى الله عليه وسلم ] فارتفع الإحتمال الذي في لفظ كتاب مسلم فإنه قال فيه [ فوضع كفيه على فخذيه ] وهو محتمل وقد استفيد من هذا الحديث : أن الإسلام والإيمان حقيقتان متباينتان لغة وشرعا وهذا هو الأصل في الأسماء المختلفة وقد يتوسع فيهما الشرع فيطلق أحدهما على الآخر على سبيل التجوز
قوله [ فعجبنا له يسأله ويصدقه ] إنما تعجبوا من ذلك لأن ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم لا يعرف إلى من جهته وليس هذا السائل ممن عرف بلقاء النبي صلى الله عليه وسلم ولا بالسماع منه ثم هو قد سأل سؤال عارف محقق مصدق فتعجبوا من ذلك
قوله [ أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ] الإيمان بالله : هو التصديق بأنه سبحانه موجود موصوف بصفات الجلالة والكمال منزه عن صفات النقص وأنه واحد حق صمد فرد خالق جميع المخلوقات متصرف فيما يشاء يفعل في ملكه ما يريد
والإيمان بالملائكة : هو التصديق بأنهم عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون
والإيمان برسل الله : هو أنهم صادقون فيما أخبروا به عن الله تعالى أيدهم بالمعجزات الدالة على صدقهم وأنهم بلغوا عن الله رسالاته وبينوا للمكلفين ما أمرهم الله به وأنه بجب احترامهم وأن لا يفرق بين أحد منهم
والإيمان باليوم الآخر : هو التصديق بيوم القيامة وما اشتمل عليه من الإعادة بعد الموت والحشر والنشر والحساب والميزان والصراط والجنة والنار وأنهما دار ثوابه وجزائه للمحسنين والمسيئين إلى غير ذلك مما صح من النقل
والإيمان بالقدر : هو التصديق بما تقدم ذكره وحاصله ما دل عليه قوله تعالى { والله خلقكم وما تعملون } وقوله { إنا كل شيء خلقناه بقدر } ونحو ذلك ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عباس [ واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشئ لم ينفعوك إلا بشئ قد كتبه الله لك ولو اجتمعوا على أن يضروك بشئ لم يضروك إلى بشئ قد كتبه الله عليك رفعت الأقلام وجفت الصحف ] ومذهب السلف وأئمة الخلف : أن من صدق بهذه الأمور تصديقا جازما لا ريب فيه ولا تردد : كان مؤمنا حقا سواء كان ذلك عن براهين قاطعة أو عن اعتقادات جازمة
وقوله في الإحسان [ أن تعبد الله كأنك تراه الخ ] حاصله راجع إلى إتقان العبادات ومراعاة حقوق الله ومراقبته واستحضار عظمته حال العبادات
قوله [ فأخبرني عن أماراتها ] بفتح الهمزة والأمارة : العلامة و [ الأمة ] ههنا الجارية المستولدة و [ ربتها ] سيدتها وجاء في رواية [ بعلها ] وقد روي أن أعرابيا سئل عن هذه الناقة قال : أنا بعلها ويسمى الزوج : بعلا وهو في الحديث [ ربتها ] بالتأنيث واختلف في قوله [ أن تلد الأمة ربتها ] فقيل : المراد به أن يستولي المسلمون على بلاد الكفر فيكثر التسري فيكون ولد الأمة من سيدها بمنزلة سيدها لشرفه بأبيه وعلى هذا فالذي يكون من أشراط الساعة استيلاء المسلمين على المشركين وكثرة الفتوح والتسري وقيل : معناه أن تفسد أحوال الناس حتى يبيع السادة أمهات أولادهم ويكثر ترددهن في أيدي المشترين فربما اشتراها ولدها ولا يشعر بذلك فعلى هذا الذي يكون من أشراط الساعة : غلبة الجهل بتحريم بيعهن وقيل معناه : أن يكثر العقوق في الأولاد فيعامل الولد أمه معاملة السيد أمته : من الإهانة والسب و [ العالة ] بتخفيف اللام : جمع عائل : وهو الفقير
وفي الحديث كراهة ما لا تدعو الحاجة إليه من تطويل البناء وتشييده وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : [ يؤجر ابن آدم في كل شئ إلا ما وضعه في هذا التراب ] ومات رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يضع حجرا على حجر ولا لبنة على لبنة : أي لم يشيد بناءه ولا طوله ولا تأنق فيه
وقوله [ رعاه الشاء ] إنما خص رعاء الشاء بالذكر لأنهم أضعف أهل البادية معناه أنهم من ضعفهم وبعدهم عن أسباب ذلك بخلاف أهل الإبل فإنهم في الغالب ليسوا عالة ولا فقراء وقوله [ فلبث مليا ] قد روي بالتاء يعني لبث عمر رضي الله عنه وروي [ فلبث ] بغير تاء يعني : أقام النبي صلى الله عليه وسلم بعد انصرافه وكلاهما صحيح المعنى وقوله [ مليا ] هو بتشديد الياء أي زمانا كثيرا وكان ذلك ثلاثا هكذا جاء مبينا في رواية أبي داود وغيره
وقوله [ أتاكم يعلمكن دينكم ] أي قواعد دينكم أو كليات دينكم قاله الشيخ محي الدين في شرحه لهذا الحديث في صحيح مسلم
أهم ما يذكر في هذا الحديث بيان الإسلام والإيمان والإحسان ووجوب الإيمان بإثبات قدر الله تعالى وذكر في بيان الإسلام والإيمان كلاما طويلا وحكى فيه أقوال جماعة من العلماء منها ما حكاه عن الإمام أبي الحسين المعروف بابن بطال المالكي أنه قال : مذهب جماعة أهل السنة من سلف الأمة وخلفها : أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص بدليل قوله تعالى { ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم } ونحوها من الآيات قال بعض العلماء : نفس التصديق لا يزيد ولا ينقص والإيمان الشرعي يزيد وينقص بزيادة ثمراته وهي الأعمال ونقصانها قالوا : وفي هذا توفيق بين ظواهر النصوص التي جاءت بالزيادة وبين أصل وضعه في اللغة وهذا الذي قاله هؤلاء وإن كان ظاهرا فالأظهر والله أعلم أن التصديق يزيد بكثرة النظر لظاهر الأدلة ولهذا يكون إيمان المصدقين أقوى من إيمان غيرهم بحيث لا يغرنهم السفه ولا يتزلزل إيمانهم بعارض بل لا تزال قلوبهم منشرحة منيرة وإن اختلفت عليهم الأحوال فأما غيرهم من المؤلفة ومن قاربهم فليسوا كذلك وهذا لا يمكن إنكاره ولا يشك في نفس تصديق أبي بكر الصديق رضي الله عنه أن لا يساويه آحاد تصديق الناس ولهذا قال البخاري في صحيحه قال ابن أبي مليكة : أدركت ثلاثين رجلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كلهم يخاف النفاق على نفسه ما منهم أحد يقول إن إيمانه كإيمان جبريل وميكائيل عليهم السلام
وأما إطلاق اسم الإيمان على الأعمال فمتفق عليه عند أهل الحق ودلائله أكثر من أن تحصر قال الله تعالى { وما كان الله ليضيع إيمانكم } أي صلاتكم وحكي عن الشيخ أبي عمرو بن الصلاح في قوله صلى الله عليه وسلم [ الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وتقيم الصلاة إلخ ] ثم فسر الإيمان بقوله [ أن تؤمن بالله تعالى وملائكته إلخ ] قال رحمه الله : هذا بيان أصل الإيمان وهو التصديق الباطن وبيان أصل الإسلام وهو الإستسلام والإنقياد الظاهر وحكم الإسلام في الظاهر ثبت في الشهادتين وإنما أضاف إليها الصلاة والزكاة والصوم والحج لكونها أظهر شعائر الإسلام وأعظمها وبقيامه بها يصح استسلامه ثم إن اسم الإيمان يتناول ما فسر به الإسلام في هذا الحديث وسائر الطاعات لكونها ثمرات التصديق الباطن الذي هو أصل الإيمان
ولهذا لا يقع اسم المؤمن المطلق على من ارتكب كبيرة أو ترك فريضة لأن اسم الشئ مطلقا يقع على الكامل منه ولا يستعمل في الناقص ظاهرا إلا بنية وكذلك جاز إطلاق نفيه عنه في قوله صلى الله عليه وسلم [ لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ] واسم الإسلام يتناول أيضا ما هو أصل الإيمان وهو التصديق الباطن ويتناول أصل الطاعات فإن ذلك كله استسلام قال : فخرج بما ذكرناه أن الإيمان والإسلام يجتمعان ويفترقان وأن كل مؤمن مسلم وليس كل مسلم مؤمنا وقال : فهذا التحقيق واف بالتوفيق ونصوص الكتابة والسنة الواردة في الإيمان والإسلام التي طالما غلط فيها الخائضون وما حققناه من ذلك موافق لمذهب جماهير العلماء من أهل الحديث وغيرهم والله أعلم

الحديث الثالث
[ عن أبي عبد الرحمن عبدالله بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : بني الإسلام على خمس : شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وحج البيت وصوم رمضان ] رواه البخاري ومسلم
قال أبو العباس القرطبي رحمه الله تعالى : يعني أن هذه الخمس أساس دين الإسلام وقواعده التي عليها بني وبها يقوم وإنما خص هذه بالذكر ولم يذكر معها الجهاد مع أنه يظهر الدين ويقمع عناد الكافرين لأن هذه الخمس فرض دائم والجهاد من فروض الكفايات وقد يسقط في بعض الأوقات وقد وقع في بعض الروايات في هذا الحديث تقديم الحج على الصوم وهو وهم والله أعلم لأن ابن عمر لما سمع المستعيد يقدم الحج على الصوم زجره ونهاه عن ذلك وقد قدم الصوم على الحج وقال : [ هكذا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ] وفي رواية لابن عمر [ بني الإسلام على أن تعبد الله وتكفر بما سواه وإقام الصلاة إلخ ] وفي رواية أخرى : أن رجلا قال لعبد الله بن عمر : ألا نغزو ؟ فقال : إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول [ إن الإسلام بني على خمس ] ووقع في بعض الطرق [ على خمسة ] بالهاء وفي بعضها بلا هاء وكلاهما صحيح وهذا الحديث أصل عظيم في معرفة الدين وعليه اعتماده فإنه قد جمع أركانه

الحديث الرابع
[ عن أبي عبد الرحمن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : حدثنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو الصادق المصدوق : إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما نطفة ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع كلمات : بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد فو الله الذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها ] رواه البخاري ومسلم
قوله [ وهو الصادق المصدوق ] أي الصادق في قوله المصدوق فيما يأتيه من الوحي الكريم قال بعض العلماء : معنى قوله [ إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه ] أن المني يقع في الرحم متفرقا فيجمعه الله تعالى في محل الولادة من الرحم في هذه المدة
وقد جاء عن ابن مسعود في تفسير ذلك : إن النطفة إذا وقعت في الرحم فأراد الله تعالى أن يخلق منها بشرا طارت في بشر المرأة تحت كل ظفر وشعر ثم تمكث أربعين ليلة ثم تصير دما في الرحم فذلك جمعها وهو وقت كونها علقة قوله [ ثم يرسل إليها الملك ] يعني الملك الموكل بالرحم قوله [ وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة الخ ] ظاهر الحديث : أن هذا العامل كان عمله صحيحا وأنه قرب من الجنة بسبب عمله حتى بقي له على دخولها ذراع وإنما منعه من ذلك سابق القدر الذي يظهر عند الخاتمة فإذا الأعمال بالسوابق لكن لما كانت السابقة مستورة عنا والخاتمة ظاهرة جاء في الحديث [ إنما الأعمال بالخواتيم ] يعني عندنا بالنسبة إلى اطلاعنا في معنى الأشخاص وفي بعض الأحوال وأما الحديث الذي ذكره مسلم في صحيحه في كتاب الإيمان : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال [ إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس وهو من أهل النار ] فإنه لم يكن عمله صحيحا في نفسه وإنما كان رياء وسمعة فيستفاد من ذلك الحديث ترك الإلتفات إلى الأعمال والركون إليها والتعويل على كرم الله تعالى ورحمته وقوله قبل ذلك [ ويؤمر بأربع كلمات : بكتب رزقه وأجله ] هو بالباء الموحدة في أوله على البدل من [ أربع كلمات ] وقوله [ شقي أو سعيد ] مرفوع لأنه خبر مبتدأ محذوف تقديره : وهو شقي أو سعيد
وقوله صلى الله عليه وسلم [ فوالذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة إلى قوله : فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها ] المراد : أن هذا قد يقع في نادر من الناس لا أنه غالب فيهم وذلك من لطف الله سبحانه وسعة رحمته فإن إنقلاب الناس من الشر إلى الخير كثير وأما إنقلابهم من الخير إلى الشر ففي غاية الندور ولله الحمد والمنة على ذلك وهو تجوز وقوله [ إن رحمتي سبقت غضبي ] وفي رواية [ تغلب غضبي ] وفي هذا الحديث إثبات القدر كما هو مذهب أهل السنة وأن جميع الواقعات بقضاء الله تعالى وقدره خيرها وشرها نفعها وضرها قال الله تعالى { لا يسأل عما يفعل وهم يسألون } ولا اعتراض عليه في ملكه يفعل في ملكه ما يشاء قال الإمام السمعاني : سبيل معرفة هذا الباب : التوفيق من الكتابة والسنة دون محض القياس ومجر العقول فمن عدل عن التوفيق منه ضل وتاه في مجال الحيرة ولم يبلغ شفاء النفس ولا يصل إلى ما يطمئن به القلب لأن القدر سر من أسرار الله تعالى ضربت دونه الأستار واختص سبحاه به وحجبه عن عقول الخلق ومعارفهم لما علمه من الحكمة وواجب علينا أن نقف حيث حد لنا فلا نتجاوزه وقد حجب الله تعالى علم القدر عن العالم فلا يعلمه ملك ولا نبي مرسل وقيل : إن سر القدر ينكشف لهم إذا دخلوا الجنة ولا ينكشف قبل ذلك وقد ثبتت الأحاديث بالنهي عن ترك العمل اتكالا على ما سبق من القدر بل تجب الأعمال والتكاليف التي ورد بها الشرع وكل ميسر لما خلق له لا يقدر على غيره فمن كان من أهل السعادة يسره الله لعمل أهل السعادة ومن كان من أهل الشقاوة يسره الله لعمل أهل الشقاوة كما في الحديث وقال الله تعالى : { فسنيسره لليسرى } { فسنيسره للعسرى }
قال العلماء : وكتاب الله تعالى ولوحه وقلمه : كل ذلك مما يجب الإيمان به وأما كيفية ذلك وصفته فعلمه إلى الله تعالى { لا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء } والله أعلم

الحديث الخامس
[ عن أم المؤمنين أم عبدالله عائشة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد ] رواه البخاري ومسلم
وفي رواية لمسلم [ من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد ]
قال أهل اللغة : الرد هنا بمعنى المردود : أي فهو باطل غير معتد به وقوله [ ليس عليه أمرنا ] يعنى حكمنا
هذا الحديث قاعدة عظيمة من قواعد الدين وهو من جوامع الكلم التي أوتيها المصطفى صلى الله عليه وسلم فإنه صريح في رد كل بدعة وكل مخترع ويستدل به على إبطال جميع العقود الممنوعة وعدم وجود ثمراتها واستدل بعض الأصوليين على أن النهي يقتضي الفساد والرواية الأخرى وهو قوله [ من عمل عملا ليس عليه أمر نا فهو رد ] صريحة في ترك كل محدثة سواء أحدثها فاعلها أو سبق إليها فإنه قد يحتج به بعض المعاندين إذا فعل البدعة فيقول : ما أحدثت شيئا فيحتج عليه بهذه الرواية
وهذا الحديث مما ينبغي حفظه وإشاعته واستعماله في إبطال المنكرات فإنه يتناول ذلك كله فأما تفريغ الأصول التي لا تخرج عن السنة فلا يتناولها هذا الرد ككتابة القرآن العزيز في المصاحف وكالمذاهب التي عن حسن نظر الفقهاء المجتهدين يردون الفروع إلى الأصول التي هي قول رسول الله صلى الله عليه وسلم وكالكتب الموضوعة فيالنحو والحساب والفرائض وغير ذلك من العلوم مما مرجعه ومبناه على أقوال رسول الله صلى الله عليه وسلم وأوامره فإن ذلك لا يدخل في هذا الحديث
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://bhsare.yoo7.com
 
كتاب شرح الأربعين نووية
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
(منتدى بشار) :: أسلاميات :: الحديث الشريف-
انتقل الى: